بروحٍ تنبضُ أصالةً… وتراثٍ يعبقُ خلودًا ليست أوركسترا القرويين مجرّد فرقةٍ موسيقية، بل هي مرآةٌ حيّة لذاكرة الأندلس، وصوتٌ يبعث في الحاضر أصداء قرونٍ من التعايش والجمال والصفاء الروحي بين المسلمين واليهود والمسيحيين في أرض الحضارة والضياء. إنها رحلةٌ موسيقية تتهادى بين عبق التاريخ وسحر المقامات، حيث تنساب الأنغام كما ينساب الضوء فوق جدران قرطبة وغرناطة وفاس.
التاريخُ والتحيةُ الخالدة
تحمل الأوركسترا اسم جامعة القرويين العريقة بمدينة فاس، تلك المنارة العلمية التي أسستها فاطمة الفهرية سنة 859م، فغدت عبر العصور رمزًا خالدًا للعلم والحكمة والتلاقي الحضاري. ومن هذا الإرث العريق تستلهم الفرقة رؤيتها الفنية، فتجعل من الموسيقى لغةً للمعرفة، ومن الفن جسرًا يصل القلوب والثقافات. ويقود هذا الصرح الموسيقي المايسترو حسام الحمومي، المتخصص في الموسيقى الأندلسية وخريج معهدها العريق بفاس، حيث يجمع في أدائه بين دقة العازف، وشفافية الروح، وسموّ الحسّ الفني، ليمنح كلّ عملٍ موسيقي نفَسًا من الهيبة والرقيّ والجمال الخالد.
الصفاءُ والأصالة
ترتكز الهوية الفنية لأوركسترا القرويين على الوفاء الخالص لروح الموسيقى الأندلسية، مستلهمةً مدارس كبار أعلامها، أمثال عبد الكريم الرايس وأحمد الوكيلي والتمسماني، أولئك الذين حفظوا هذا التراث كما تُحفَظ الجواهر النفيسة في خزائن الزمن..
كما تُحيي الفرقة أعمال الموسيقار عبد الصادق الشقارة، الذي منح الموسيقى الأندلسية بُعدًا معاصرًا دون أن يمسّ بجلال أصالتها..
وتتجلّى هذه الروح في أداءٍ يعتمد على الآلات التقليدية العريقة؛ كالعود،القانون، الكمان والفيولا، التشيللو، الطّار والدربوكة الأندلسية، حيث تتعانق المقامات والإيقاعات في نسيجٍ موسيقيٍّ مهيب، يفيض أناقةً ووقارًا..
ومن أعماق هذه الجذور الراسخة، تنفتح الأوركسترا على حوارٍ موسيقيٍّ معاصر، دون أن تتخلّى عن روح التراث الجماعي الذي تناقلته الأجيال كما تتناقل القصائد الخالدة.